ابو القاسم عبد الكريم القشيري

121

لطائف الإشارات

وفي هذا إشارة دقيقة إلى الفرق بين حال نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وحال إبراهيم عليه السّلام ، لأنه تعرض جبريل للخليل وعرض عليه نفسه : فقال : أمّا إليك . . فلا . ولم يطق جبريل صحبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنطق بلسان العجز وقال : لو دنوت أنملة لاحترقت « 1 » . وشتّان بين حالة يكون فيها جبريل عليه السّلام من قوّته بحيث يعرض للخليل عليه السّلام نفسه ، وبين حالة يعترف للحبيب - صلوات اللّه عليه - فيها بعجزه . قوله جل ذكره : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً . الإمام من يقتدى به ، وقد حقّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال : « ملة أبيكم إبراهيم » أي اتبعوا ملة إبراهيم يعنى التوحيد ، وقال : « واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى » . هذا هو تحقيق الإمامة . ورتبة الإمامة أن يفهم عن الحق ثم يفهم الخلق ؛ فيكون واسطة بين الحق والخلق ، يكون بظاهره مع الخلق لا يفتر عن تبليغ الرسالة ، وبباطنه مشاهدا للحق ، لا يتغير له صفاء الحالة ، ويقول للخلق ما يقوله له الحق . قوله جل ذكره : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . نطق بمقتضى الشفقة عليهم ، فطلب لهم ما أكرم به . فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نسب ، أو باستيجاب سبب ، وإنما هي أقسام مضت بها أحكام فقال له : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »

--> ( 1 ) يشير بهذا إلى ما حدث ليلة الاسراء والمعراج في الملأ الأعلى ( انظر كتاب المعراج ) للقشيرى نشره دكتور على عبد القادر . ط . ( الكتب الحديثة ) سنة 1964 .